ابن أبي الحديد
77
شرح نهج البلاغة
العرب غيرنا ، فأراد قومنا قتل نبينا ، واجتياح أصلنا ، وهموا بنا الهموم ، وفعلوا بنا الأفاعيل ، ومنعونا الميرة ( 1 ) وأمسكوا عنا العذب ، وأحلسونا الخوف ( 2 ) . وجعلوا علينا الأرصاد والعيون ، واضطرونا إلى جبل وعر ، وأوقدوا لنا نار الحرب ، وكتبوا بينهم كتابا ، لا يؤاكلوننا ، ولا يشاربوننا ، ولا يناكحوننا ، ولا يبايعوننا ، ولا نأمن منهم حتى ندفع إليهم محمدا فيقتلوه ويمثلوا به ، فلم نكن نأمن فيهم إلا من موسم إلى موسم ، فعزم الله لنا على منعه ، والذب عن حوزته ، والرمي من وراء حرمته ، والقيام بأسيافنا دونه في ساعات الخوف بالليل والنهار ، فمؤمننا يرجو بذلك الثواب وكافرنا يحامى عن الأصل ، وأما من أسلم من قريش فإنهم مما نحن فيه خلاء ، منهم الحليف الممنوع ، ومنهم ذو العشيرة التي تدافع عنه ، فلا يبغيه أحد مثل ما بغانا به قومنا من التلف ، فهم من القتل بمكان ( 3 ) نجوة وأمن ، فكان ذلك ما شاء الله أن يكون . ثم أمر الله تعالى رسوله بالهجرة ، وأذن له بعد ذلك في قتال المشركين ، فكان إذا احمر البأس ، ودعيت نزال ( 4 ) أقام أهل بيته ، فاستقدموا ، فوقى أصحابه بهم حد الأسنة والسيوف ، فقتل عبيدة يوم بدر ، وحمزة يوم أحد ، وجعفر وزيد يوم مؤتة ، وأراد من لو شئت ذكرت اسمه مثل الذي أرادوا من الشهادة مع النبي صلى الله عليه وسلم غير مرة ، إلا أن آجالهم عجلت ، ومنيته أخرت ، والله ولي الاحسان إليهم ، والمنة عليهم ، بما أسلفوا من أمر الصالحات ، فما سمعت بأحد ولا رأيته هو أنصح في طاعة رسوله ولا لنبيه ، ولا أصبر على اللاواء ( 5 ) والسراء والضراء وحين البأس ، ومواطن المكروه مع النبي صلى الله عليه وسلم من هؤلاء النفر الذين سميت لك ، وفي المهاجرين خير كثير يعرف ، جزاهم الله خيرا بأحسن
--> ( 1 ) الميرة بالكسر : ما يجلب ، ويزيد بالعذب الماء . ( 2 ) أحلسونا الخوف ، أي ألزموناه . ( 3 ) انظر صفين 100 ، 111 . ( 4 ) دعيت نزال ، كقطام ، أي تنازلوا للحزب . ( 5 ) اللاواء : الشدة .